أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
673
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- وأصحّ الكلام عندي ما قام عليه الدليل ، وثبت فيه الشاهد من كتاب « 1 » اللّه عز وجل ، ونحن نجده قد قرن الغلوّ فيه بالخروج / عن الحق ، فقال جلّ من قائل : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ [ سورة المائدة : 77 ] . - والغلوّ عند قدامة « 2 » تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه ، وليس خارجا عن طباعه ، كقول النمر بن تولب في صفة / سيف شبه به نفسه « 3 » : [ البسيط ] تظلّ تحفر عنه إن ضربت به * بعد الذّراعين والسّاقين والهادي إذ ليس خارجا عن طباع السيف أن يقطع الشئ العظيم ، ثم يغوص / بعد ذلك في الأرض ، ولأن مخارج الغلو عنده على « يكاد » « 4 » ، وعلى هذا تأوّل أصحاب التفسير قول اللّه تعالى : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ سورة الأحزاب : 10 ] ، أي كادت . - وقال الجرجاني في كتاب الوساطة « 5 » : « الإفراط « 6 » مذهب عام في المحدثين ، وموجود كثير في الأوائل ، والناس فيه مختلفون : من مستحسن قابل ، ومستقبح رادّ ، وله رسوم متى وقف الشاعر عندها ، ولم يتجاوز بالوصف حدّها سلم ، ومتى تجاوزها اتسعت له الغاية ، وأدّته الحال إلى الإحالة ، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط ، وشعبة من الإغراق » . - وقال الحاتمي « 7 » : « وجدت العلماء بالشعر يعيبون على الشاعر أبيات الغلو والإغراق ، ويختلفون في استحسانها واستهجانها ، ويعجب بعض منهم بها ، وذلك على حسب ما يوافق طباعه واختياره ، ويرى أنها من إبداع الشاعر الذي يوجب الفضيلة له ، فيقولون : أحسن الشعر أكذبه ، وإن الغلو إنما يراد به المبالغة
--> ( 1 ) في ف والمطبوعتين فقط : « من كتاب اللّه تعالى » . ( 2 ) انظر نقد الشعر 59 ( 3 ) سبق البيت في باب التتبيع ص 522 و 523 ( 4 ) في ف والمطبوعتين والمغربيتين « تكاد » ، وفي ف زيادة « لا » قبل « تكاد » وهو خطأ . ( 5 ) الوساطة 420 مع بعض اختلاف . ( 6 ) في المطبوعتين فقط : « والإفراط » . ( 7 ) حلية المحاضرة 1 / 195 مع بعض اختلاف .